رابطة الصراع السوري-الليبي

رابطة الصراع السوري-الليبي

07 July 2022

جدول المحتويات

ملخص تنفيذي

يقيّم هذا التقرير رابطة الصراع السوري-الليبي المتجسدة في “شبكات إمداد” متوازية أنشأتها كل من روسيا وتركيا لتجنيد مقاتلين سوريين ونشرهم ليكونوا مقاتلين مرتزقةً في ليبيا. وجد هذا التقرير من خلال الأبحاث الميدانية في كلا السياقين أن خطوط الإمداد هذه قد توسعت، وأدّت إلى تآكل سلطة الدولة الرسمية وتقوية الشبكات المستخدمة في الهجرة المتوسطية والأنشطة الاقتصادية غير المشروعة. ولقد استفادت روسيا وتركيا كما استفادت الجهات المسلحة المحلية والوسطاء الانتهازيون. واستجابة للحقائق التي ظهرت في هذا التقرير، فإن على صناع القرار إعادة تقييم العلاقة بين أطول صراعات الربيع العربي أمداً من أجل تنفيذ مساعدات محلية أكثر فاعلية وتحقيق حلول دائمة في مواجهة الأنماط المتبدلة للهجرة من سوريا. ملاحظة: نُشر هذا التقرير في أصله باللغة الإنكليزية في شهر أيلول/سبتمبر 2021. واخترنا ترجمته إلى اللغة العربية بحيث يُقدم السياق الضروري في ضوء الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي أعاد إحياء النقاش حول العلاقة الإقليمية الاستراتيجية بين روسيا وتركيا والدور المحتمل للمقاتلين السوريين في الخارج.

مقدمة

من بين كافة الدول التي تأثرت بالاضطرابات السياسية للربيع العربي التي عصفت بالمنطقة برمتها، كان نصيب ليبيا وسوريا هو الأشد. فقد خلّفت سنوات الصراع العشر التاليةُ وراءها البلدين منقسمين داخلياً ومعزولين خارجياً، وترسخ هذا الوضع بفعل الخلافات السياسية العميقة مع الجيران، والانكماش الاقتصادي الذي سببته جائحة كوفيد-19، والظروف الأمنية المتغيرة. ولكن من المفارقات أن البلدين قد انجذبا إلى بعضهما البعض وارتبط كل منهما بالآخر برابطة صراع مستجدة. فمنذ عام 2019، هيأت التدخلات العسكرية المباشرة لروسيا وتركيا الظروف لتوسيع الروابط بين مجالات نفوذهما في كل من البلدين وإضفاء طابع الرسمية عليها، بنقل المقاتلين والمهاجرين والبضائع غير المشروعة كالمخدرات بين البلدين (انظر: الاقتصاد السوري في حالة حرب:كبتاجون وحشيش – دولة المخدرات السورية).[1]The New Arab, “From Syria to Libya: Inside the booming drugs trade thriving on regional chaos,” 24 August 2021 وفي حين أن تجنيد المرتزقة السوريين للقتال في ليبيا قد جرى تقويمه على نطاق واسع – بل وإدانته – إلا أن دقائقه وأثره على ديناميكيات الصراع وسياسات الهجرة الأوروبية لم يُلتَفت إليها عموماً، وقد أُغفلت علاقته بالهجرة المتوسطية إغفالاً شبه كامل. 

ونعتقد أن هذا التقرير هو أول تقرير متاح للعموم يُجري تقويماً للآثار المتباينة للتدخلات الروسية والتركية على رابطة الصراع السوري-الليبي. يثبت هذا البحث، من خلال التركيز على كل مسار على حدة، بأن عمليات نقل المرتزقة أو اللاجئين ليست كلها سواءً، فالفروق المهمة التي لم يُلتفت إليها بعدُ لها تداعيات جسيمة على نجاعة استراتيجيات التخفيف من تدفقات اللاجئين إلى الخارج، ناهيك عن أثرها على بيئة المساعدات طويلة الأجل والديناميكيات الأوسع نطاقاً للاستقرار أو عدم الاستقرار في كلا البلدين. وتُسلط النتائج التي يخلص إليها التقرير الضوء على تآكل السلطات الرسمية وحكم القانون، وتصدير العنف من بيئات الأزمات ممتدة الأجل، وتحركات اللاجئين والعمالة المهاجرة، واتساع نطاق الشبكات غير الشرعية العابرة للحدود الوطنية. أخيراً، يعد التقرير ذا أهمية خاصة لصناع القرار بالنظر إلى التحولات طويلة الأجل في تنافس القوى الإقليمية، ويبين التقرير تفصيلياً طبيعة التدخلات العسكرية الروسية والتركية المتوازية في حوض البحر المتوسط عموماً. على صناع السياسات والمحللين الأخذ بعين الاعتبار أن التدخلات في سوريا وليبيا من الممكن أن تشكل نموذجاً مستقبلياً لمنافسات القوى الإقليمية والتدخلات العسكرية والحروب بالوكالة. 

 

رابطة الصراع السوري-الليبي

 

النتائج الرئيسية

  • أضفت التدخلات الروسية والتركية المتوازية في سوريا وليبيا الطابع الرسمي على تجنيد المرتزقة السوريين لإرسالهم إلى ليبيا. هذه الشبكات هي عماد رابطة الصراع السوري-الليبي التي تُسهل هجرة العمالة عبر المتوسطية، وعبور طالبي اللجوء المتجهين إلى أوروبا، والتربّح من اقتصاد الحرب. 
  • بالرغم من أن كلاً من موسكو وأنقرة قد جندتا مرتزقة سوريين للقتال في ليبيا، فإن طرق هجرة المقاتلين، وانتشارهم العسكري، ومساراتهم النهائية تختلف اختلافاً عريضاً. فخلال حرب طرابلس (2019-2020) تم تعيين السوريين الذين جندتهم موسكو في وظائف غير قتالية في دعم المقاتلين الروس والمقاولين العسكريين الخاصين. وفي المقابل فإن السوريين الذين جندتهم أنقرة قاتلوا جنباً إلى جنب مع التحالف الليبي الذي تدعمه تركيا، حتى خلال أعنف المعارك على طرابلس. 
  • يمثل محور دمشق-بنغازي الذي أنشأته روسيا تحدياً بارزاً في موضوع الهجرة. فمن خلال مسؤولين فاسدين في الحكومة السورية وأجهزة الجيش الوطني الليبي وعدد من الجهات الفاعلة الداعمة، يستطيع المهاجرون السوريون الحصول على التصريحات وأذونات السفر اللازمة، وذلك غالباً لغرض مُعلن، وهو الهجرة لاحقاً إلى أوروبا. والأهم هو أنه ليست هناك طرق مماثلة للهجرة على المحور الواقع تحت سيطرة تركيا والذي يربط بين الشمال السوري والغرب الليبي. إلا أن الضغط للبحث عن طرق للهجرة سوف يتزايد مع تدهور الظروف في سوريا. 
  • ومع ذلك فإن المهاجرين الذين يرحلون إلى أوروبا يفعلون ذلك غالباً من مناطق تقع الآن تحت سيطرة حكومة الوفاق الوطني[2]تنتمي حكومة الوفاق الوطني إلى تحالف هش تحت حكومة الوحدة الوطنية المشكلة في آذار/مارس 2021. في غرب ليبيا، وهي المعترف بها من قبل الأمم المتحدة والمدعومة عسكرياً من قبل تركيا. قد تنتهي محاولات الهجرة الفاشلة بالاعتقال التعسفي والابتزاز والانتهاكات على أيدي الفصائل المسلحة المسيطرة على مراكز الاعتقال. 
  • في نهاية المطاف، تقوي الرابطة السورية-الليبية اقتصادات الحرب لكلا البلدين وتبني علاقات أقوى عابرة للحدود الوطنية بين تجار البشر والمهربين والمسؤولين الفاسدين والسلطات العسكرية والأمنية التي تسهل عمليات التجنيد والمرور الآمن والتصاريح.

التوصيات

  • على صناع القرار والمحللين اعتماد إطار تحليلي على المستوى الإقليمي لتحديد الروابط بين السياقين السوري والليبي. سيكون التعرف على الديناميكيات في كلٍ من منطقتي النزاع هاتين، بل ورصدها وتحليلها، أموراً حاسمة في توقع الآثار الجانبية الضارة والتخفيف منها.
  • لن تكون الجهود المبذولة للتوصل إلى حلول دائمة للاجئين والحد من الهجرة عبر المتوسطية فعّالة إذا اقتصرت على مناطق التجمع المباشرة على السواحل الليبية. بل يجب أن تبدأ إجراءات الحد من الهجرة بالتصدي للدوافع الأولية لعدم الاستقرار، خاصة منها هشاشة الدولة وتشظيها في ليبيا وسوريا. كما أنه يجب بذل مزيد من الجهود لتعيين المجتمعات والمجموعات البشرية الرئيسية المعرضة لخطر الهجرة في سوريا، حيث تستمر الأزمة الممتدة وجمود الصراع والمخاطر الأمنية والانهيار الاقتصادي بدفع عجلة الهجرة.
  • على صناع السياسات تقبل واقع كون كثير من السوريين المهاجرين إلى ليبيا أو عبرها لا يستطيعون العودة أو لن يعودوا إلى مجتمعاتهم الأصلية في سوريا. لذا فإن الأنشطة الداعمة لسبل العيش المستدام للسكان السوريين الموجودين أصلاً في ليبيا قد تخفف الضغط الدافع إلى الرحلة المتوسطية المحفوفة بالمخاطر. سيستفيد المنفذون عموماً من نطاق برامجي أوسع في ليبيا منه في سوريا. ولكن من المهم تجنب الخطر الأخلاقي: فيجب أن لا تكون الأنشطة حافزاً للهجرة نحو ليبيا، وسيكون هناك حاجة إلى قدر كبير من الرويّة مسبقاً.
  • ينبغي للجهات الفاعلة في مجال الاستجابة للأزمات بحث خيارات الأنشطة المعتمدة على وسائل التواصل الاجتماعي والتي تستهدف جماهير السوريين والليبيين على حد سواء. فجهات التجنيد الرقمي تعتمد على المنصات الرقمية مثل التيك توك اعتماداً كبيراً. إن معرفة الرسائل الرئيسية وتكتيكات الاصطياد هي أولى أهم الخطوات في سبيل منع المهربين الانتهازيين من اقتناص يأس اللاجئين المحتملين.
  • في نهاية المطاف، على صناع القرار النظر إلى الهجرة على أنها نتيجة سلسلة متتالية من الانهيارات في سيادة القانون تشمل طيفاً كاملاً من الجهات الفاعلة بدءاً من الوسطاء المحليين وانتهاءً بالقوى العسكرية الإقليمية. ويجب التعامل مع كل مجموعة من الجهات الفاعلة باستخدام وسائل مختلفة. فقد يكون تنفيذ المساعدات تنفيذاً مستهدِفاً لتلبية الاحتياجات وتحقيق الاستقرار في المناطق الحساسة فعالاً على المستوى المحلي. وعلى الطرف الآخر من هذا الطيف ينبغي أن تكون المخاوف الناشئة عن التدخلات العسكرية الإقليمية والهجرة جزءاً من حوار سياسي شامل مع القوى المعنية، وهي روسيا وتركيا. 

 

جيران مزقتهم الحرب: ليبيا وسوريا

كانت الأزمات الممتدة في ليبيا وسوريا في انحسار وامتداد منذ عام 2011، ممزقة كلا البلدين إلى رُقَع مناطقية، حيث تقع كل منطقة ناشئة فيها تحت سطوة تحالفات عسكرية وسياسية فريدة. وكل تحالف من هذه التحالفات تدعمه قوى عسكرية أجنبية؛ ويمكن القول إن أكثر هذه القوى نفوذاً هي روسيا وتركيا. والمناطق الساحلية المكتظة بالسكان في ليبيا مقسمة الآن إلى دائرتي نفوذ رئيسيتين، يترأس كل واحدة منهما تحالف مدعوم عسكرياً من روسيا أو تركيا. يسيطر على الشرق الجيش الوطني الليبي الذي يقوده خليفة حفتر، وتدعمه روسيا من خلال شركات عسكرية روسية خاصة بصورة رئيسية مثل مجموعة فاغنر. في الوقت نفسه، يهيمن على غرب ليبيا تحالف رخو تقوده حكومة الوفاق الوطني المدعومة عسكرياً من تركيا بواسطة الطائرات المسيرة والقوات الأرضية والدعم التقني.[3]من الجدير بالذكر أن الجهة الشرقية يقودها الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر ومقره بنغازي ويدعمه مجلس … Continue reading

وبالمقارنة فإن انقسامات سوريا أكثر عمقاً. فقد أدى عقد من الصراع إلى تقسيم البلد إلى ثلاث مناطق سيطرة رئيسية، في حين أن خمس قوى دولية قد تدخلت عسكرياً في البلاد، وهي روسيا وتركيا وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وكما هو الحال في ليبيا، فإن روسيا وتركيا تُعدان عموماً هما القوتان الأجنبيتان الأكثر نفوذاً من القوى العاملة على الأرض في سوريا. فالنفوذ الروسي في مناطق سيطرة الحكومة السورية قد تصاعد منذ تدخل موسكو الحاسم لدعم دمشق في شهر أيلول/سبتمبر 2015. فالجيش الروسي والشركات الخاصة المقربة من الكرملين، والشركات العسكرية كمجموعة فاغنر تعد قوى مؤثرة في هذه المناطق، على الرغم من حاجتها أحياناً إلى التنافس على النفوذ محلياً مع الجماعات المدعومة إيرانياً. من جانبها تدخلت تركيا في الأزمة السورية تدخلاً أكثر شمولاً من أي قوة أخرى، وبحلول شهر آب/أغسطس من عام 2016، فإن الدعم السياسي واللوجستي والعسكري الذي قدمته أنقرة للمعارضة المسلحة أفسح المجال لسلسلة من التدخلات العسكرية المباشرة. وتقع مساحات شاسعة من أراضي سيطرة المعارضة على طول الحدود التركية في الشمال السوري تحت رعاية عسكرية واقتصادية وأمنية تركيّة بحكم الأمر الواقع. ويشكل شمال-شرق سوريا ثالث أكبر مناطق السيطرة؛ والولايات المتحدة هي القوة الأجنبية صاحبة النفوذ الأكبر في مناطق شرق نهر الفرات، رغم وجود قوات روسية أيضاً في بعض المناطق المحلية. بدورها، تواصل إسرائيل تنفيذ غارات جوية بين الفينة والأخرى ضد أهداف إيرانية في سوريا، ولكن دون أي وجود لها على الأرض. 

التعبئة العسكرية

في أعقاب انتفاضات عام 2011، سعت الفصائل المسلحة المتمردة المتعاطفة مع بعضها البعض في ليبيا وسوريا إلى تعميق علاقاتها الاستراتيجية، ولكن دون أثر مستدام. فعلى سبيل المثال، قدمت السلطات الانتقالية التي تشكلت بعد عام 2011 في ليبيا، بناء على نجاحاتها الثورية المبكرة، الدعم العسكري والمالي للمعارضة السورية المسلحة. وقد شمل دعمها للثوار السوريين معدات تم شحنها سابقاً إلى ليبيا خلال المراحل الأولى من انتفاضة الدولة الشمال-إفريقية. كما شجع الثوريون في سلطة طرابلس المقاتلين الليبيين المتمردين السابقين على السفر إلى سوريا لمحاربة القوات الموالية لبشار الأسد. ومن بين المجموعات التي قامت بهذه الرحلة مجموعة “لواء الأمة”، وهو لواء ذو نزعة إسلامية يقوده مهدي الحاراتي، أحد كبار قادة التمرد على معمر القذافي. كان هذا الدعم لسوريا متقطعاً في الأساس وضعيف التنسيق، ولم يكن فعالاً في إنشاء روابط عسكرية مستدامة بين ليبيا وسوريا. 

وقد أدت التدخلات العسكرية الروسية والتركية اللاحقة إلى ربط النزاعين ربطاً حاسماً وبصورة لم تستطع المحاولات المشتتة للمجموعات المسلحة فعلها.  ففي أواخر عام 2019، أنشأت القوتان الإقليميتان خطوط تجنيد عسكري معقدة لنقل المقاتلين المرتزقة من سوريا إلى ليبيا. وكان الدافع المباشر للتجنيد هو حرب طرابلس (2019-2020)، وهو أحد أعنف المراحل الأخيرة من النزاع، وهو ما تطلب زيادة حادة في الدعم اللوجستي والتقني والمادي للتحالفَين الليبيّين المتحاربَين.[4]رغم أن مجيء حكومة الوحدة الوطنية في شهر آذار/مارس 2021 قد قلل ظاهرياً من الانقسامات المؤسساتية في أنحاء ليبيا، … Continue reading تسارعت وتيرة تعبئة المرتزقة السوريين لدعم الجانبين في حرب طرابلس بصورة متسارعة في نهاية عام 2019، في أعقاب اتفاق بين الحكومة التركية وحكومة الوفاق الوطني في شهر تشرين الثاني/نوفمبر، وهو الاتفاق الذي رسم ملامح الدعم التركي للتحالف في مواجهته للجيش الوطني الليبي.[5]جاء ذلك نتيجة لمذكرة تفاهم موقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2019. انظر: “بطلب … Continue reading وفي موازاة ذلك قام المقاولون العسكريون العاملون في مناطق الحكومة السورية الواقعة تحت النفوذ الروسي أيضاً بتعبئة المقاتلين السوريين لدعم الجيش الوطني السوري. والأهم من ذلك، وعلى الرغم من أن تجنيد المرتزقة كان مدفوعاً بالأهداف العسكرية لكل من موسكو وأنقرة في ليبيا، غير أن خطوط التجنيد سريعاً ما ضمت إليها شبكات واسعة من الجهات الفاعلة في كل من سوريا وليبيا، والتي أدت وظائف وساطة ودعم مهمة نتج عنها تقويض السلطات الحاكمة التقليدية وعقد روابط أكثر إحكاماً بين الجهات الفاعلة غير الحكومية. وبرغم الإدانة الواسعة إلا أن تجنيد المرتزقة في سوريا كان وما يزال تنافسياً للغاية بسبب الرواتب المغرية المعروضة (انظر:  الاقتصاد السوري في حالة حرب: التجنيد في المجموعات المسلحة، استراتيجية للحماية والمعيشة).[6]الجيش الوطني السوري” ينفي نيته إرسال أي قوات إلى ليبيا” ، شبكة شام. 25 كانون الأول/ديسمبر 2019.

كما توضح العمليات المعروضة أدناه، ابتكرت كل من روسيا وتركيا إجراءات تعبئة معقدة لنشر المرتزقة السوريين في ليبيا. وفي حين أن كل خط يعمل بتأييد ضمني أو معلن من المؤسسة العسكرية لدولة التجنيد، إلا أن العمليات كانت متباينة تبايناً حاسماً. واللافت للنظر أن المجندين الذين عبّأتهم روسيا، خلال حرب طرابلس، كانوا يؤدون بالعموم وظائف دعم غير قتالي للعسكريين الروس ومقاولي مجموعة فاغنر. كانت خدمتهم في الأساس تعكس المصالح الروسية وكان نشرهم بمثابة عامل لمُضاعفة قوة الوجود الروسي المباشر المحدود في عدده. وفي المقابل فإن من عبّأتهم تركيا تم نشرهم عموماً إلى مناطق حكومة الوفاق الوطني ليكونوا إلى جانب المقاتلين الليبيين مباشرة في المناطق القتالية. وليس من المستغرب أن يشهد السوريون المنشورون في مناطق نفوذ حكومة الوفاق الوطني درجات أعلى من التنقل داخل المجتمعات المحلية، على الرغم من أن أنشطة اقتصاد الحرب كانت مصادر للتوتر، إذ تشير مصادر محلية إلى أن محاولات الهجرة من ليبيا باتجاه أوروبا كانت أكثر شيوعاً بين المقاتلين الذين جندتهم تركيا منها بالمقارنة مع من جندتهم القوات الروسية.

 

دمشق- بنغازي 

حلب-طرابلس

1. إجراءات التجنيد

كان التجنيد العسكري مقتصراً في البداية على عدد محدود من الضباط من الفرقة 25 السورية للمهام الخاصة، والذين قدموا دعماً تقنياً للقوات الروسية والليبية. وقد حصل تغيير تدريجي في عملية التجنيد بعد نشر تركيا مقاتلين سوريين خلال حرب طرابلس. لذا فقد توسع نطاق التجنيد ليستهدف ضباط الجيش العربي السوري، والمليشيات المحلية الموالية للنظام، ومقاتلي المعارضة السابقين الذين قاموا بالتسوية من ريف دمشق ومدينة دمشق ودرعا وحماة وحمص والسويداء.[7]لا تزال عملية تجنيد المرتزقة السوريين نشطة حتى وقت كتابة هذا التقرير، بينما أرسلت روسيا إلى ليبيا آخر مجموعة … Continue reading تنتشر إعلانات التجنيد انتشاراً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي ويجري التسجيل من خلال وسطاء محليين مرتبطين بالجيش العربي السوري وكثير من فروع المخابرات.

 

2. الفاعلون

الفاعلون الرئيسيون في عملية التجنيد هم القوات الروسية، ومجموعة فاغنر والاستخبارات العسكرية السورية والفرقة 25 من قوات المهام الخاصة، والشركات الأمنية المحلية (أي صياد وسند) والميليشيات المحلية الموالية للنظام. وفي حين أن عمليات التجنيد كانت في البداية تخضع للإشراف الروسي حصراً، تحولت التعبئة تدريجياً إلى الجيش العربي السوري وضباط الاستخبارات بالتعاون مع الوسطاء المحليين الذين ييسرون العلاقات مع المقاتلين.

 

3. العقود والرواتب

تدوم العقود عادة ما بين ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر، مع إمكانية تجديدها حسب تقدير المقاتل. وعلى كافة المجندين الحصول على تصريح أمني من الاستخبارات العسكرية السورية. وتتراوح الرواتب بين 1,500 إلى 3,500 دولار أمريكي شهرياً، ولكن سلالم الرواتب ومعاييرها ليست واضحة. وقد ظهرت شكاوى منذ بداية عام 2021 من تأخر الدفع والالتزامات المالية التي لم يفِ بها الوسطاء.

 

4. اللوجستيات

يُنقل المجندون من مناطق سيطرة الحكومة السورية إلى مناطق ليبيا الواقعة تحت سيطرة الجيش الوطني الليبي عبر طريقين رئيسيين: فخطوط أجنحة الشام الجوية تُسير رحلات مباشرة من مطار دمشق الدولي إلى مطار بنينة الدولي (قرب بنغازي) مرتين في الأسبوع، كما يتم تجميع المجندين في قواعد عسكرية سورية في دمشق وحمص واللاذقية قبل نقلهم إلى قاعدة حميميم الجوية التابعة لروسيا، ومن هناك إلى مطار الخروبة (المعروف باسم الخادم) شرق بنغازي.

 

5. شروط النشر والتخصصات 

يعمل المجندون السوريون المقاتلون في الجانب الروسي في ليبيا في مجالات الدعم في المقام الأول، ومن ضمن ذلك حراسة المواقع العسكرية أو إجراء الصيانة لمنظومات الأسلحة. ويمارس الضباط الروس درجة عالية من السيطرة المباشرة على نشر المقاتلين السوريين، في حين يبقى المقاتلون الذين تجندهم مجموعة فاغنر تحت إمرتها المباشرة. لذلك يُنظر إلى المقاتلين السوريين الذي تحشدهم روسيا على أنهم يقدمون دعماً محدوداً لمصالح الجيش الروسي لا كمقاتلين نيابة عن الجيش الوطني الليبي نفسه. يتم تجميع المجندين بعد وصولهم إلى ليبيا عادة في قاعدة طارق بن زياد العسكرية في بنغازي قبل نشرهم على قواعد إقليمية أصغر حيث الوجود الروسي، وذلك مثل الجفرة وسرت ومحطة راس لانوف النفطية. تشرف الفصائل المحلية المسيطرة على المناطق الوسطى كاللواء 128 التابع للجيش الليبي الوطني على عمليات النقل والخدمات اللوجستية للمقاتلين السوريين.

 

6. العلاقة مع المجتمعات المحلية الليبية

لا يتعامل المقاتلون السوريون الذين تجندهم روسيا وترسلهم إلى ليبيا إلا قليلاً مع المجتمعات المحلية، إذ يتمركزون بصورة رئيسية في القواعد العسكرية الموجودة في الصحراء النائية. ولا يسمح لهم بالدخول إلى مناطق مراكز المدن مثل بنغازي وراس لانوف وسرت. وفي بنغازي يقيمون في أقسام محددة من قاعدة طارق بن زياد العسكرية، وتواصلهم مع القوات الليبية المتموضعة هناك تواصل محدود. كما تتم مصادرة هواتف المقاتلين المحمولة عند وصولهم، ولا يمكنهم التواصل مع أقربائهم في سوريا إلا من خلال هاتف محمول واحد مشترك مخصص لكل وحدة.

7. التسريح

يقال إن جميع المجندين عادوا إلى بلدهم بعد إتمام عقودهم في ليبيا. ولا يُعلم بوجود تقارير عن مجندين فروا من قواعدهم أو بقوا في ليبيا بعد إنهاء خدمتهم.

1.  إجراءات التجنيد

حتى أواخر عام 2019، كان التجنيد يحصل حصرياً بواسطة فصائل الجيش الوطني السوري ذات الصلات القوية مع الحكومة التركية. ولكن كما هو الحال في مناطق النفوذ الروسي، تكثفت جهود التجنيد مع اشتداد وتيرة القتال في طرابلس، وبدأ الوسطاء المحليون تأدية أدوار أكثر محورية وتوسع نطاق التجنيد ليضم المدنيين والنازحين والشباب وأفراداً بلا خبرة عسكرية يعتد بها. ويتم التجنيد بواسطة قادة ميدانيين في الجيش الوطني السوري يؤمّنون مواقع للمقاتلين تحت إمرتهم، أو من خلال وسطاء من المجتمع المحلي يجندون المدنيين والنازحين. يجب الحصول على موافقة لكافة الأسماء من القوات المسلحة التركية.

 

2. الفاعلون

الفاعلون الرئيسيون المشاركون في عملية التجنيد هم القوات المسلحة التركية وقادة فصائل مختارة من الجيش الوطني السوري، مثل فرقة السلطان مراد، ولواء سليمان شاه، وفرقة حمزة، ولواء سمرقند، وفرقة المعتصم. كما تقوم شركة أمنية خاصة هي شركة سادات بالتجنيد أيضاً.

 

3. العقود والرواتب

تدوم العقود ما بين ثلاثة أشهر إلى سنة واحد مع إمكانية التجديد. تتراوح الرواتب بين 1,500 إلى 4,500 دولار أمريكي في الشهر الواحد، وذلك حسب تخصص المقاتل. يُدفع للمقاتلين في معظم الحالات ما بين 1,500 إلى 2,000 دولار أمريكي. ولكن تصاعدت شكاوى المجندين من أن قادة الجيش الوطني السوري قد حجزوا أجزاء من رواتبهم، وهي شكاوى تماثل تلك التي عبر عنها المقاتلون الذين تم حشدهم في مناطق النفوذ الروسي.

 

4. اللوجستيات

يصل المقاتلون المجندون في الشمال السوري إلى المناطق التي تديرها حكومة الوفاق الوطني في ليبيا من خلال البنية التحتية العسكرية التركية في المنطقة. يتجمع المقاتلون الجاهزون للانتشار في حوار كلس، في منطقة اعزاز، ومن هناك يصلون إلى ليبيا بواسطة طائرة نقل عسكرية أو يُنقلون إلى قواعد عسكرية في جنوب تركيا (أي كيريخان) قبل نشرهم. هناك ثلاث نقاط وصول في ليبيا: قاعدة معيتيقة الجوية في طرابلس، وهي القاعدة العسكرية التركية الرئيسية في البلاد؛ وقاعدة الوطية الجوية في الإقليم الغربي، قرب الحدود التونسية؛ ومطار مصراتة. ثم يُجلب المجندون الذين سينتقلون إلى الداخل الليبي إلى طرابلس تحت قيود أمنية مشددة.

 

5. شروط النشر والتخصصات

على النقيض من المقاتلين السوريين المنشورين من خلال القنوات الروسية، فإن المقاتلين المنشورين بواسطة تركيا يخدمون غالباً في وظائف قتالية مباشرة، وكثير منهم يُنشرون ضمن الجماعات المسلحة المناهضة للجيش الوطني الليبي، مثل كتيبة صمود مصراتة، أو الكتيبة 166، أو الكتيبة 301، أو كتيبة ثوار طرابلس، ويعملون على المستوى التكتيكي كلٌ تحت إمرة قادة إحدى الكتائب. خلال حرب طرابلس، تم نشر المقاتلين السوريين بشكل رئيسي على خطوط الجبهات الجنوبية للمدينة. وعقب المعركة عاد السوريون إلى القواعد العسكرية في جنوب طرابلس، مثل قاعدة اليرموك، وقاعدة تكبالي، وقاعدة الوطية في الغرب. تؤدي فرقة الضباط الأتراك في قاعدة معيتيقة الجوية دوراً قيادياً في نشر المقاتلين السوريين بالتعاون مع السلطات الليبية في الغرب (حكومة الوفاق الوطني).

 

6. العلاقة مع المجتمعات المحلية الليبية

على النقيض من نظرائهم في الشرق، كان يسمح للمقاتلين السوريين المجندين لمناطق حكومة الوفاق الوطني بداية بدرجة عالية من حرية التنقل في المجتمعات المحلية القريبة من القواعد التي نُشروا فيها، مما أعطاهم مجالاً أوسع للتفاعل مع المدنيين الليبيين. ومع ذلك فإن السكان المحليين كانوا عموماً لا يقتربون من القوات الأجنبية، حتى السوريين، وهو موقف عززه تورط بعض المجموعات السورية في تجارة الوقود والسلاح غير المشروعة إلى جانب الفصائل الليبية. بالتالي منعت تركيا المجندين السوريين من الاحتكاك بالسكان المحليين خارج القواعد العسكرية التي كانوا يخدمون فيها. ويتفاعل المقاتلون السوريون مع المقاتلين المتحالفين مع حكومة الوفاق الوطني دوماً، حيث إن السوريين يخدمون مع وحدات محلية. وكثيراً ما تنشأ النزاعات خلال هذه التفاعلات، وسببها بصورة رئيسية المنافسات على النفوذ والمصالح الاقتصادية، أو انحياز الفصائل السورية إلى أحد جوانب النزاعات التي تحصل بين الجماعات الليبية.

 

7. التسريح

تركيا مسؤولة نظرياً عن إعادة جميع المقاتلين الذين انتهت عقود خدماتهم في ليبيا إلى سوريا. إلا أن هناك عشرات التقارير عن مقاتلين سوريين يفرون من قواعدهم بنيّة البقاء في ليبيا أو الهجرة إلى أوروبا. انخفضت هذه الحالات عندما مُنع السوريون من الذهاب إلى المجتمعات المحلية القريبة من قواعدهم. وعلى الرغم من توقف العمليات العسكرية الكبيرة، إلا أن عدداً هائلاً (غير معروف على وجه الدقة) من المقاتلين السوريين بقوا في القواعد العسكرية التي تديرها تركيا.

الهجرة المتوسطية

عززت خطوط التجنيد العسكري أيضاً من الهجرة الرسمية وغير الرسمية من سوريا إلى ليبيا، وإن كان ذلك محصوراً على طول محور دمشق-بنغازي. وبرغم زيادة الاهتمام بها مؤخراً، إلا أن الهجرة السورية إلى شمال إفريقيا ليست بحد ذاتها ظاهرة جديدة. فابتداءً من خمسينات من القرن الماضي، سعى السوريون وغيرهم من المهاجرين العرب وراء الفرص الاقتصادية في ليبيا، وهي الدولة النفطية المزدهرة، والتي كان تعداد سكانها الوطنيين صغيراً وفيها طلب كبير للعمالة في القطاع النفطي.[8]تمتع المغتربون العرب بصورة أوسع في ليبيا بوضع إيجابي وحظوا بنفس معاملة الليبيين تقريباً. في حين أن موجات … Continue reading تباطأت الهجرة في الجزء الأخير من القرن العشرين إلى أن أصبحت ليبيا على غير المتوقع ملاذاً آمناً للاجئين بعد اندلاع الصراع في سوريا. إذ تتمتع ليبيا بتكاليف معيشية أقل وسبل معاش أوسع مقارنة بجيران سوريا، وبخاصة لبنان والأردن. وبحلول شهر كانون الأول/ديسمبر 2013، أصبح تعداد الجالية السورية في ليبيا يُقدر بنحو 100,000 إلى 200,000 شخص، برغم أن عدد المسجلين رسمياً بصفتهم طالبي لجوء من قبل مفوضية الأمم المتحدة للاجئين كان 18,000 فقط.[9].Amnesty International, “An International Failure: The Syrian Refugee Crisis,” 13 December 2013, p. 6 كانت بنغازي وطرابلس (منطقتا سوق الجمعة وجنزور على وجه الخصوص) من بين المجتمعات الرئيسية المستضيفة لأعداد كبيرة من السوريين. 

على الرغم من أن ظروف النزاع بعد انتفاضة عام 2011 قد جعلت ليبيا أقل جاذبية لكثير من المهاجرين، إلا أن الهجرة السورية إلى ليبيا (أو عبرها) لم تبلغ ذروتها إلا بعد عام 2013، بعد فرض متطلبات التأشيرة على المواطنين السوريين في شهر كانون الثاني/يناير من العام. إلا أن العبور لم يتوقف بالكلّيّة، وأجبرت الأنظمة المشددة للتأشيرات على الاعتماد على المهربين. في البداية على الأقل، كانت مصر ممرّاً رئيسياً إلى ليبيا؛ استطاع السوريون الوصول إلى ليبيا بدفع ما يقرب من 500 دولار أمريكي، واستقر كثيرون منهم في بنغازي قرب الحدود المصرية.[10]The New Humanitarian, “Syrians seeking refuge in Libya,” 23 May 2013 وبطبيعة الحال كان كثير من السوريين ينظرون إلى ليبيا على أنها نقطة انطلاق إلى أوروبا. وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فقد وصل 10,650 سورياً إلى السواحل الإيطالية في عام 2013 وحده، وكثير منهم قد أتوا من ليبيا ومصر.[11]UNHCR, “Egypt Weekly Update Syria Operation 4-10 November 2013,” 11 November 2013 وارتفع هذا الرقم في عام 2014 ليصل إلى قرابة 32,681، قبل أن ينخفض انخفاضاً حاداً في عام 2015 ليصل إلى 7,072.[12]Mattia Toaldo, “Libya’s Migrant-smuggling Highway: Lessons for Europe,” European Council on Foriegn Relations, November 2015  وشهدت الأعوام بين 2015-2019 انخفاضاً عاماً في عدد السوريين المسافرين إلى ليبيا نتيجة لقيود التأشيرات أو لاشتداد النزاع. إلا أن إنشاء خطوط الإمداد الروسية والتركية قد خلق بغير قصد البنية التحتية للهجرة السورية إلى ليبيا أو عبرها. 

وقد غيرت شبكات الجهات الفاعلة شبه الرسمية وغير الحكومية التي تشكل خطوط الإمداد السورية-الليبية شكل الهجرة إلى ليبيا أو عبرها تغييراً جذرياً مرة أخرى. إذ تتركز الهجرة الاقتصادية الآن والهجرة بقصد طلب اللجوء في أوروبا حصراً على طول طريق دمشق-بنغازي الذي تسيطر عليها روسيا. وينقسم السوريون الذين يهاجرون إلى ليبيا الآن لأسباب غير عسكرية عموماً إلى مجموعتين رئيسيتين: المهاجرون الذين يخططون للوصول إلى أوروبا بالقوارب، وأولئك الذين يسعون إلى الانضمام إلى القوى العاملة في ليبيا، حيث يتيح الاستقرار الاقتصادي النسبي فرصاً أفضل لكسب المعاش مقارنة بسوريا. والأهم أن بعض السوريين الذين يستقرون في ليبيا للعمل يخططون في نهاية المطاف للهجرة إلى أوروبا، ولكن عليهم البقاء في ليبيا لادخار المال لتغطية ما يترتب على هجرتهم من النفقات. وبالنسبة لآخرين فإنهم يعدون العمل في ليبيا خياراً مؤقتاً تمليه الحاجة لدفع تكاليف رحلة العودة إلى سوريا بعد المحاولات الفاشلة للوصول إلى الشواطئ الأوروبية. 

1.  اللوجستيات والتحضيرات في سوريا (دمشق-بنغازي)

تقدم عدة مكاتب سفر في سوريا، غالبها في دمشق ودرعا، باقة شاملة للهجرة إلى ليبيا يتم ترتيبها عبر وسطاء يعملون في كلا البلدين. وعلى السوريين الذين يحاولون السفر إلى ليبيا بداية الحصول على تصاريح أمنية من قوى الأمن السورية (كالاستخبارات العسكرية) ومديرية التجنيد العامة. كما يجب الحصول على تصريح عمل ليبي صادر عن هيئة الاستثمار العسكري التابعة للجيش الوطني الليبي، وذلك عبر وسطاء محليين يستخدمون سجلات شركات مشبوهة، بل وربما غير نشطة.[13]يُعد تصريح العمل الذي تقدمه هيئة الاستثمار العسكري التابعة للجيش الوطني الليبي بمثابة بطاقة إقامة بحكم … Continue reading ترتب مكاتب السفر الرحلات الجوية المباشرة من مطار دمشق الدولي إلى مطار بنينة الدولي في بنغازي، تسيرها خطوط أجنحة الشام الجوية. وفي بعض الحالات، وبخاصة للمسافرين من درعا والسويداء، يتم تأمين نقلهم إلى المطار عبر القوى الأمنية، للسماح للمسافرين بالمرور عبر الحواجز دون عوائق. تأخذ هيئة الاستثمار العسكري قرابة 500-600 دولار أمريكي من أصل تكلفة حزمة السفر التي تبلغ قرابة 1,500 دولار، ويقسم المبلغ المتبقي البالغ 900 دولار أمريكي بين مكاتب السفر ومختلف الوسطاء، عدا عن تكاليف تذاكر الطيران.

يدفع السوريون الذين يريدون استخدام ليبيا محطة على طريقهم إلى أوروبا مقدماً أحياناً للرحلة بأكملها، وهي تكلفة تقدر بحوالي 7,000-8,000 دولار أمريكي. وهذا يشمل تصريح العمل وأجور الوسطاء (1,500 دولار) إضافة إلى تكلفة السفر من دمشق إلى السواحل الغربية عبر بنغازي، ثم السفر إلى إيطاليا بحراً (5,500-6,500 دولار، تغطي تكاليف مجموعة من الوسطاء والمهربين، فضلاً عن الرشاوي للجهات الأمنية، والسكن، وغيرها من النفقات). بعض السوريين الراغبين بالسفر شمالاً يختارون ترتيب ما تبقى من رحلتهم بأنفسهم بعد أن يصلوا إلى ليبيا، رغم أن خطورة هذا الخيار أكبر؛ قد يكون أحد العوامل خلف هذا القرار عدم قدرتهم على تحمل النفقات مقدماً والأمل في الاستفادة من شبكاتهم الشخصية لترتيب المرحلة النهائية من الرحلة.

أما حركة المدنيين السوريين من مناطق سيطرة المعارضة في سوريا أو من تركيا إلى ليبيا فهي حركة مقيدة تقييداً شديداً. لذلك يغادر المدنيون السوريون المسافرون إلى ليبيا من مناطق سيطرة النظام حصراً متجهين إلى مناطق سيطرة الجيش الوطني الليبي، وذلك بعد الحصول على تصاريح خاصة. حتى وقت كتابة هذا التقرير، لا يُعلم بوجود أي تقارير عن عبور أي سوريين من مناطق المعارضة إلى مناطق النظام للوصول إلى ليبيا، لأن هذه العملية تتطلب تصاريح أمنية وأذونات سفر من سلطات دمشق وتصاريح عمل من الجيش الوطني الليبي.

2. ظروف العمل في ليبيا

يُسمح للسوريين الحاملين لتصاريح العمل الصادرة عن هيئة الاستثمار العسكري أن يقيموا ويتنقلوا ويعملوا بحرية ضمن مناطق سيطرة الجيش الوطني الليبي. إلا أنه من المستبعد أن يُعترف بهذا التصريح في مناطق سيطرة حكومة الوفاق الوطني، إذ أن سلطات الغرب تنظر إلى هيئة الاستثمار العسكري بأنها غير شرعية. غالباً ما يبحث السوريون الموجودون في شرق ليبيا عن وظائف في بنغازي وأجدابيا، وغالباً في مجال بيع التجزئة والبناء. ويُعتَقدُ أن قسماً كبيراً من السوريين العاملين هناك الآن يدخرون المال لرحلتهم إلى أوروبا.

2. ظروف العمل في ليبيا (حلب-طرابلس)

يتركز السوريون العاملون في الغرب الليبي بكثرة في طرابلس، التي تتيح أكثر فرص المعيشة وأفضل استفادة من الخدمات الأساسية. ليست هناك أي تقارير عن أي توترات خطيرة بين العمال السوريين والمجتمع المحلي في طرابلس، فللسوريين تاريخ من العمل في طرابلس يسبق بدء النزاع في عام 2011. وفي حالات كثيرة فإن المشاريع المحلية يملكها سوريون بالتعاون مع شركاء ليبيين. تشمل المشاريع الرئيسية التي يعمل فيها السوريون الآن المطاعم والمقاهي والمخابز ومحلات النسيج. كما أن المهاجرين السوريين مطلوبون في بعض القطاعات كقطاع تجارة الرخام والحجارة، والبناء، والصيانة، وتكنولوجيا المعلومات، وذلك لمهاراتهم في تلك المجالات. ومع أن بعض السوريين الذي يهاجرون إلى الغرب الليبي يذهبون بنيّة ادخار المال لرحلتهم إلى أوروبا، يُعتقد أن بعضهم يعود إلى سوريا بعد فشلهم في الوصول إلى أوروبا.

 

  1. نقطة الانطلاق إلى أوروبا (حلب-طرابلس)

تقع نقاط المغادرة الرئيسية للمهاجرين المتجهين نحو الجزر الإيطالية في البحر المتوسط على طول الساحل الغربي بين زوارة والخميس، وضمنها شواطئ القره بوللي (قرب طرابلس)، وصبرانة، والزاوية. فقربها من الأراضي الإيطالية، وقوة شبكات التهريب، ومحدودية السيطرة التي تمارسها السلطات الغربية خارج المدن الرئيسية، كل ذلك يجعل هذه المواقع نقاط انطلاق جذابة. يغادر المهاجرون على قوارب صغيرة في رحلة تدوم بضعة ساعات، تتجه غالباً نحو جزيرة لامبيدوزا الإيطالية. ويعترض خفر السواحل الليبي كثيراً من الراغبين بالهجرة ويعيدهم إلى الأراضي الليبية. أوقف خفر السواحل الليبي في أحد عمليات الاعتراض بتاريخ 13 حزيران/يونيو 2021 ثمانين مهاجراً كانوا يحاولون الانطلاق إلى أوروبا، منهم 54 سورياً.

يُوضع المهاجرون الذين يتم اعتراضهم، سواء في البحر أو البر، في مراكز احتجاز تديرها المجموعات المسلحة المحلية، وبعضها لا يخضع للسيطرة الرسمية لحكومة الوفاق الوطني. ويتعرض المهاجرون المُحتَجزون إلى المضايقة الجسدية والابتزاز.[14]انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي بتاريخ 12 آب/أغسطس صور لمهاجرين سوريين محتجزين في مراكز احتجاز ليبية، … Continue reading ويُجبر كثير منهم على دفع أموال لجماعات الميليشيات التي تحرس مراكز الاحتجاز تلك ليعملوا على إطلاق سراحهم. ذكر أحد المهاجرين السوريين الذين قابلهم مركز كور COAR أنه لم يستطع تأمين إطلاق سراحه من أحد مراكز الاحتجاز إلا بعد دفع مبلغ 3,500 دولار أمريكي، في حين صودر هاتفه المحمول وأغراضه الشخصية. وغالباً ما يتصل أعضاء مجموعة الميليشيا الذين يعملون في إدارة مراكز الاحتجاز بعائلات المحتجزين للتفاوض على المدفوعات.

يتجه السوريون العابرون من ليبيا نحو أوروبا بصورة رئيسية باتجاه الجزر الإيطالية الواقعة في جنوب البحر المتوسط على قوارب صغيرة من المناطق الساحلية الغربية خارج طرابلس. تسيطر شبكات التهريب على رحلات المهاجرين عبر الأراضي الليبية عند انتقالهم من المناطق الشرقية نحو طرابلس. تشمل هذه الشبكات وسطاء محليين يسهلون المرور، ومجموعات قبلية تفرض رسوماً على المرور عبر أراضيها، ومجموعات مسلحة (مثل اللواء 128 المتمركز في سرت والجفرة) تسيطر على الطرق وتفرض رسوماً عند المرور على حواجزها. تجدر الإشارة إلى أن السوريين الذين توقفهم السلطات الشرقية أو القوات الأمنية في طريقهم نحو المناطق الساحلية من بنغازي لا يتم احتجازهم – كما هو حال المهاجرين من جنسيات أخرى – لأن سلطات الجيش الوطني الليبي تعُدّ وجودهم في ليبيا شرعياً.

References

References
1 The New Arab, “From Syria to Libya: Inside the booming drugs trade thriving on regional chaos,” 24 August 2021
2 تنتمي حكومة الوفاق الوطني إلى تحالف هش تحت حكومة الوحدة الوطنية المشكلة في آذار/مارس 2021.
3 من الجدير بالذكر أن الجهة الشرقية يقودها الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر ومقره بنغازي ويدعمه مجلس النواب في طبرق، بينما يقع المعسكر الغربي تحت النفوذ القوي لمدينة مصراتة.
4 رغم أن مجيء حكومة الوحدة الوطنية في شهر آذار/مارس 2021 قد قلل ظاهرياً من الانقسامات المؤسساتية في أنحاء ليبيا، إلا أن خطوط الصدع السياسية والمؤسساتية والجغرافية التي أصابت البلاد منذ عام 2014 ما تزال موجودة. وبعد فشل الهجوم العسكري الذي قام به الجيش الوطني الليبي على طرابلس (نيسان/أبريل 2019-حزيران/يونيو 2020)، تم تنفيذ عملية سياسية عسكرية اقتصادية مدعومة من الأمم المتحدة لتشكيل حكومة موحدة. فتشكلت حكومة الوحدة الوطنية بين شهري شباط/فبراير وآذار/مارس من عام 2021، وكانت تضم تقنياً الأطراف المتحاربة، في حين تم حل حكومتي تسيير الأعمال: حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، والحكومة المؤقتة في الشرق.
5 جاء ذلك نتيجة لمذكرة تفاهم موقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2019. انظر: “بطلب تركي, فصائل من “الجيش الوطني” بريف حلب تتحضر لإرسال مقاتلين إلى ليبيا،” زمان الوصل، 25 كانون الأول/ديسمبر 2019.
6 الجيش الوطني السوري” ينفي نيته إرسال أي قوات إلى ليبيا” ، شبكة شام. 25 كانون الأول/ديسمبر 2019.
7 لا تزال عملية تجنيد المرتزقة السوريين نشطة حتى وقت كتابة هذا التقرير، بينما أرسلت روسيا إلى ليبيا آخر مجموعة من المرتزقة السوريين بتاريخ 17 آب/أغسطس 2021، وهي مجموعة من 300 سوري معظمهم من السويداء. ولكن تجدر الإشارة إلى أن استمرار التجنيد لا يرتبط بالضرورة بأي تصعيد عسكري على الأرض، ولكن يمكن ربطه بعملية روتينية لاستبدال المجندين المنتهية عقودهم بمجندين غيرهم. انظر: “300 سوري إلى ليبيا، روسيا تستمر بتجنيد المرتزقة لحماية مصالحها“، الوكالة السورية للأنباء SNA، 17 آب/أغسطس.
8 تمتع المغتربون العرب بصورة أوسع في ليبيا بوضع إيجابي وحظوا بنفس معاملة الليبيين تقريباً. في حين أن موجات العمالة الأولى (ومن ضمنها السوريون) استطاعت إيجاد وظائف في القطاع العام، إلا أنها تحولت إلى القطاع الخاص منذ تسعينات القرن الماضي في حين انتقل الكثير من الليبيين إلى القطاع العام. وانجذب السوريون نحو البناء وبيع التجزئة وأعمال المطاعم. انظر:

Lifos, “Thematic Report: Palestinians & Syrians in Libya“, February 2016, p. 7-8

9 .Amnesty International, “An International Failure: The Syrian Refugee Crisis,” 13 December 2013, p. 6
10 The New Humanitarian, “Syrians seeking refuge in Libya,” 23 May 2013
11 UNHCR, “Egypt Weekly Update Syria Operation 4-10 November 2013,” 11 November 2013
12 Mattia Toaldo, “Libya’s Migrant-smuggling Highway: Lessons for Europe,” European Council on Foriegn Relations, November 2015
13 يُعد تصريح العمل الذي تقدمه هيئة الاستثمار العسكري التابعة للجيش الوطني الليبي بمثابة بطاقة إقامة بحكم الأمر الواقع. يبدو أن هيئة الاستثمار العسكري تسهل دخول السوريين إلى ليبيا بهدف اختلاس رسوم تبلغ 500 دولار أمريكي تُفرض على كل عامل أجنبي في وقت أزمة مالية يمر بها الجيش الوطني الليبي. وهذا يجعل هيئة الاستثمار العسكري فعلياً جزءاً من شبكة اتجار بالبشر عابرة للحدود، حيث يستخدم على الأقل بعض المهاجرين ليبيا نقطة انطلاق إلى أوروبا. وترتبط هيئة الاستثمار العسكري (التي لا تعترف بها حكومة الوفاق الوطني) بعلاقة وثيقة بالقيادة العامة للجيش الوطني الليبي، كما تشرف على مصادر الإيرادات المرتجلة للجيش الوطني الليبي في المناطق الواقعة تحت سيطرته.
14 انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي بتاريخ 12 آب/أغسطس صور لمهاجرين سوريين محتجزين في مراكز احتجاز ليبية، وظهرت فيها الظروف المزرية للمراكز التي كان محتجزين فيها. انظر:

Info Migrants, “Syrian migrants in Libya are victims of detention centers: torture, extortion, and malnutrition”, 12 August 2021

مشروع زمن الحرب وما بعد الصراع في سورية (WPCS) مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي ومنفذ بالشراكة بين معهد الجامعة الأوروبية (برنامج مسارات الشرق الأوسط) ومركز التحليلات العملياتية والأبحاث – كور (COAR). يقدم مشروع زمن الحرب وما بعد الصراع في سورية تحليلات استراتيجية وعملياتية لصناع السياسات ومنفذي البرامج حول الآفاق والتحديات والتوجهات وخيارات السياسات في سورية زمن الحرب وما بعد الصراع. كما يهدف المشروع إلى تنشيط مقاربات واستجابات سياسية جديدة للصراع السوري من خلال حوار دائم بين الباحثين وصناع السياسات والمانحين والمنفذين، كما يهدف إلى بناء شبكة جديدة من الباحثين السوريين تُسهم بأبحاث مرشدة للسياسات والممارسات الدولية التي تتصل ببلدهم. إن المحتوى الذي يُعده ويقدمه مركز كور (COAR) ليس محتوى شاملاً ولا يعكس الموقف الرسمي السياسي أو غير السياسي لمركز (COAR) بأي حال من الأحوال تجاه المواضيع المذكورة أعلاه، كما أن المعلومات والتقييمات والتحليلات التي يقدمها المركز ليس الغرض منها إلا أن تكون مرشدة للبرامج والسياسات الإنسانية والتنموية. ومع أن هذه النشرة قد أُصدرت بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي، إلا أن مسؤولية محتواها تقع بالكامل على عاتق مركز كور غلوبال (COAR Global LTD) ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي.